عناوین:

العتبة العباسية في بيروت… تأصيل المذهبة وتمكين الحاكمية للفقيه

2/20/2019 11:26:16 AM
5264 مشاهدة
سلوى فاضل
+ -

المرة الأولى التي سمعت فيها ما يطلق عليه اسم “العتبة”، كانت منذ شهور معدودة قد لا تتعدى الـ24 شهرا، وكنت كلما أسأل عن معنى “العتبة”، يأتي الجواب بأنها مركز أو مقر لمؤسسة دينية شيعية تابعة لمرجعية أو مقام ديني في العراق.
لكن هذا التعريف لم يوصلني إلى فهم ما أريد، إلى أن زرت مركزها في بيروت. حيث اكتشفت أن هناك ما يسمى: “العتبة العباسية، والعتبة العلوية، والعتبة الحسينية، والعتبة الكاظمية، والعتبة الرضوية… بمعنى أن لكل مقام من المقامات الدينية الشيعية الإسلامية، مركزا تابعا لها يسمى “العتبة”.
وهي جميعها مراكز دينية شيعية، على الطريقة اللبنانية، تمارس في لبنان نشاطا دينيا أو ثقافيا إسلاميا، وبتمويل عراقي أو إيراني تبعا للمقام الذي تتبع له.
كربلاء
مع الإشارة إلى أن المقامات الدينية الموجودة في هذين البلدين الإسلاميين، حيث الأكثرية الشيعية، انتشرت وبكثرة لافتة بعيد عام 2003. فالمؤسسات الدينية الشيعية في البلدين المذكورين آنفاً، يعملان على بناء المقامات لأبناء الإئمة وبناتهم، الذين يعدون بالآلاف، بسبب مزواجية الأئمة الكبيرة جدا في ذاك الزمن، بحسب الروايات الشائعة عنهم.وحاليا، نجد أن السيدة شريفة بنت الإمام الحسن بن علي هي أبرز من يتم العمل على إعادة بناء قبرها وتحويله الى مقام، داخل العراق.
وبالتعريف، إن العتبات مؤسسة يقيمها مرجع ديني شيعي إسلامي، كالسيد علي السيستاني المقيم في العراق، والسيد علي خامنئي المقيم في إيران، وعدد لابأس به من المراجع الأقل شهرة بين المقلدين.
وهي تسعى إلى البروز والعمل بنشاط خارج العراق وإيران حيث تعمل على التوسع في المدن التي تتميز بالتنوع المذهبي والديني، كمدينة بيروت مثلا، والتي تضم أكبر قوة سياسية شيعية مؤثرة في العالم، وهي “حزب الله” الذي يرعى المذهبية، ويعمل على توسعتها.
فما أهمية هذه العتبات؟ وما دورها؟ ومن هم المستفيدون من نشاطها؟ ومن يمولها؟ ومن هم المستهدفون من إقامتها في لبنان؟
كلها أسئلة تحاول أو تبحث عن أجوبة… ويبقى اللافت فيها هو تركيزها الجدي على الآخر، هذا الآخر ابن الطوائف المسيحية أو المذاهب الإسلامية كالسنة أو العلويين أو الدروز.
ففي نشاط لافت لإحدى العتبات في بيروت، مثلا، دعيت باحثة لبنانية ورجل دين مسيحيين للمشاركة في مسير العاشر من محرم من عام 2018 فيما بات يعرف بـ”المشاية”، أي السير لأيام من مختلف مدن العراق كالنجف والبصرة والنجف نحو كربلاء، إلى مقر مقام الإمام الحسين.
والهدف هو الرحلة الاستطلاعية النادرة لمن هو مسيحي للتعريف بحادثة كربلاء والسبايا. وثمة متطوعون يشبكون مع فعاليات مسيحية وسنية في هذا الإطار ولهذا الهدف، كما نقلت ناشطة ثقافية في أوساط لبنانية متنوعة.علما أن الكثير من المراجع الشيعية داخل العراق، يستقبلون، لا بل يجتمعون بالقيادات الدينية المسيحية وغير المسيحية في العراق في مختلف المناسبات داخل المقامات وخارجها، ما يطرح السؤال التالي: لماذا العمل على استقطاب الدينيين من المذاهب والطوائف غير الإسلامية من بلد كلبنان مثلا؟ كالمرجع السيد حسين الصدر عم السيد محمد باقر الصدر و”عديل” السيد مقتدى الصدر.
فهل انتقلت عدوى التركيز على التعايش الطائفي من لبنان إلى العراق، المتشظي بخلافاته الدينية؟ وهل يتم هذا بإصرار عراقي بحت، أم أنه، كما حصل في لبنان، في مرحلة ما بعد الحرب حيث نبتت الجمعيات والمؤسسات في محاولة لتسويق التعايش.".
وبالعودة إلى العتبة في لبنان أو مقرها، بالأحرى، الموجود على مدخل بيروت، على خط المطار، هو مركز يتطوع  للعمل فيه عدد من الأكاديميين الملتزمين دينيا، الذين يؤمنون بدور هذه المؤسسة في التعريف بثقافة أهل البيت التي طُمرت بحسب رأيهم طويلا، وتحتاج إلى إعادة إدخالها في الحياة بعد سعي الأنظمة الحاكمة المتتالية، منذ الأمويين إلى طمرها.
فالدين، بات محورا في حياة الأكاديميين في لبنان بعد انتشار الإسلام “المحمدي الأصيل”، وهو المصطلح الذي نشرته الثورة الإسلامية في إيران منذ أربعة عقود من الزمن ولا تزال. وهي عادة باتت تعد تعبدا لدى كثر من أبناء الشيعة، كنوع من تعويض عما حرموا منه خلال فترة حكم البعث في العراق.
و”العتبة” ليست ممولة، “كما قد يظن البعض من أموال الخزائن المرفقة بالمقامات حيث ينذر الزوار أموالا وذهبا وكل أنواع الممتلكات لمصلحة هذا المقام أو ذاك”، بل “لهذه العتبات، كما تقول المعلومات من مطلعين، من مصادر مالية تأتي من المرجعية مباشرة، أما أموال النذور والصدقات فتصرفها إدارة المقام على التبشير والدعوة وإحياء المناسبات ومساندة الفقراء”.
لكن، وبحسب إحدى الناشطات في العمل الدعويّ الشيعي، ردا على سؤال حول دور العتبة في لبنان ودور المتطوعين اللبنانيين فيها، قالت “العمل تطوعي، ولا يدفعون أموالا”
وتلفت هذه الناشطة المتطوعة، في حديث خاص وفضلت عدم ذكر اسمها، إلى أن “بعض العتبات تستغل الكفاءات اللبنانية وتنقل خبراتنا”. وتختم مؤكدة أن “فريق العتبات لا يكتفي بالعمل داخل إيران أو العراق، بل يسعى إلى التوسع خارجهما”.
ويؤكد مطلعون من داخل العتبة العباسية في بيروت، رفضوا الكشف عن هويتهم، أن “العتبة- وهي مؤسسة قائمة بذاتها- تضم بين دفتيها، عددا ضخما من العاملين الذين ينشطون في إطارها سواء على المستوى الثقافي أو الديني، حيث يصل عددهم بحسب مصدر موثوق الى 11 ألف شخص، إضافة إلى تمّلك عشرات المدارس والمؤسسات وإدارتها”.
وعلى رغم العمل الجاد الذي يقوم به فريق عمل العتبات في فروعها في لبنان، إلا أن هذه الجهود لا يروج لها إعلاميا، ويتم الخلط بين مؤسسة المقام والعتبة.
فـ”العتبة العباسية مثلا تجهد في الإطار البحثي والأكاديمي والعلمي الجاد، بعيدا من الغوغائية المذهبية المعروفة في المؤسسات ذات الطابع الديني سواء العراقي أو اللبناني”، على حد قول أحد العارفين في لقاء خاص بالموقع.
وتحاول العتبات العمل بطريقة علنية، إنما غير دعائية، ربما لارتباط أهدافها بغايات مذهبية ترتبط بالشيعة خصوصا، بمعنى عدم اهتمامها مطلقا بما يسمى “الحوار الإسلامي- المسيحي” أو “الإسلامي- الإسلامي”، نظرا إلى دعوتها الى كشف المستور لدى المذاهب الأخرى، "لتبيان الظلم الذي لحق بالشيعة تاريخيا."
فالعتبة العباسية، تصدر عددا من الدراسات التي توزع بشكل خاص عبر اشتراكات كمجلة “الرأي الآخر” و”دراسات استشراقية” و”الاستغراب”… والتي تقوم على ترجمات لبحاثة أجانب عن الإسلام والتشيع، إضافة إلى  المركز الإسلامي للدرسات الاستراتيجية ، والذي يركز أعماله على الأبحاث الأكاديمية الجادة، ويضم مكتبة كبيرة متخصصة.
وكما يظهر من حجم هذه المؤسسات المتعددة الأوجه- الاجتماعية والدينية والثقافية، فهي أشبه بدولة قائمة بذاتها- فالعتبة الرضوية في إيران مثلا تعد من أغنى مؤسسات الشيعة في العالم. ما يطرح السؤال التالي: لماذا يكثُر فقراء الشيعة في العالم؟
سؤال يعجز أي شخص عن الإجابة عنه… لكنه يؤكد قوة هذه المؤسسات، وقوة من يشرف عليها وحاكميته في فرض ما يريده من فتاوى وأفكار تقليدية على الصعيد الإجتماعي الاسلامي!
والسؤال الأكبر: هل أراد المسلمون الأوائل الذهاب بعيدا في خلافاتهم لدرجة يتم معها تأسيس مراكز بحثية أكاديمية وفكرية وعلمية لإثبات صحة الموروثات الخلافية بدل المراكز البحثية التقريبية الجامعة، إذ اتهموا الاستشراق بنبش الخلافات بينهم.

 

البوم الصور