عناوین:

نوتردام وظلم الإنسان السوري والعراقي

4/19/2019 8:58:57 PM
2359 مشاهدة
فارس بن حزام
+ -

حريق كاتدرائية نوتردام في باريس استخرج إنسانية فرنسيين، لتجد الحكومة في خزينتها 750 مليون يورو في يومين. وصف المتبرعون تحركهم بالفعل الإنساني، للحفاظ على إرث بلادهم ومصدر فخرها.
فعل إنساني عظيم، ولا خلاف عليه. لكن، على مسافة قريبة من الكاتدرائية المكلومة، يعيش عشرات الآلاف من المواطنين الفرنسيين بلا مأوى ولا تعليم، والأفضل حالا من يكاد يجد قوت يومه. هذه الإنسانية الاختيارية غير مفهومة في علاقة أصحاب المال ومحبي التبرعات مع أولويات الحياة.
مفهوم جدا أن تحافظ الدول والمجتمعات على الفنون والتاريخ، لكن الأولوية تقول لنا أن الإنسان صنع ذلك كله، فهو من بنى كاتدرائية نوتردام، ومن رصف شوارع باريس، ومن ملأ اللوفر بأجمل اللوحات والتحف، ومن تطاول في بنيان إيفل. ومن دون العناية بالإنسان ما كان لباريس أن تتوج بملكة جمال العالم.
هل الخير في فرنسا يعرفون أن عاصمتهم مدينة الإنسانية، وعلامة فارقة في التنوع والتعدد، وأول من صدح بحقوق الإنسان، وفي الوقت ذاته يتجاهلون حال الإنسان، الفرنسي قبل المهاجر، ويلحظون عجز حكوماتهم المتتالية في توفير العيش الكريم، وإنقاذ هوية باريس من جور الفقر، ويدعمون رئيسهم لسحق مطالب السترات الصفر. ربما يرون حصر مسؤولية علاج مشاكل البلاد بالرؤساء المنتخبين فقط، وتلك نظرة قاصرة؛ لأن إعادة إصلاح الكاتدرائية مسؤولية الحكومة فقط أيضاً. لكنهم هنا اختاروا أن يكونوا إنسانيين، ووقفوا أمام البناء يذرفون الدموع، وقد اختزلوا فرنسا كلها بعمرانها.
إن إنقاذ باريس من حزام الفقر المحيط بها إنقاذ لتراثها الثقافي والفكري، وحماية لمستقبل الإنسان، ليواصل إنتاجه الإبداعي على امتداد العقود، ولو لم تفتح باريس ذراعيها لأجناس العالم، لما اكتنزت المدينة بكل هذا الجمال.
ولكن بماذا يذكرنا هذا الفعل الإنساني الاختياري العجيب؟
إنه يذكرنا بالعالم عندما بكى على آثار تدمر وتجاهل طمر نصف مليون سوري، وعندما بكى على آثار الموصل وتجاهل موت وتشريد سكانها، وعندما تسابق في الحالتين لاستعادة الآثار وترميميها، وبقي الإنسان السوري والعراقي تائها منبوذا، تلاحقه لعنات السياسة والإرهاب، ولم يجد من يرمم إنسانيته.
نقلا عن صحيفة "الحياة"


البوم الصور