عناوین:

العالم العربي.. ظلام يحاصره وحكومات مفتوحة تدق أبوابه

3/22/2019 9:36:19 AM
1136 مشاهدة
نضال منصور
+ -

تسللت مفاهيم ومصطلحات الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد الى أدبيات بعض الحكومات العربية على استحياء، وبشكل اضطراري في الأعوام الماضية، ربما لتحسين صورتها أمام العالم، أو نتاج ضغط شعبي، فأكثر حكومات العالم العربي ليست ديمقراطية، وإن كان بعضها يضع الكثير من "المساحيق" ويتجمل ليبدو ديمقراطيا، في وقت تجسد التشريعات والسياسات، والممارسات، نقيضا لكل شعارات الحوكمة التي تنتهجها الدول الديمقراطية في العالم التي تحترم شعوبها وإرادتها.
في عام 2011 أطلق الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما مبادرة شراكة الحكومة المفتوحة أو الشفافة OGP، وحظيت في بادئ الأمر باهتمام محدود من دول العالم، وكان الأردن الاستثناء والبلد العربي الوحيد الذي انضم للمبادرة منذ إعلانها، واليوم يحظى هذا التوجه باهتمام واستقطاب دول العالم، وأصبح مؤشرا على مدى جدية الدول في تكريس نهج الشفافية والمساءلة في سياساته وأنظمة حكمه.
اغتنم المغرب فرصة انضمامه لهذه المبادرة في نسيان/إبريل من عام 2018 ليستضيف قبل أيام في العاصمة الرباط مؤتمرا وتظاهرة دولية تحت عنوان "حول الحكومة المفتوحة والحصول على المعلومات"، معلنا سريان قانون حق الحصول على المعلومات بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الذي حظي برعاية ملك المغرب، ومقدما نفسه على أنه دولة تلتزم بكل المعايير التي تؤهله ليكون دولة ديمقراطية.
يستحيل أن يتقدم العالم نحو ترسيخ مبادئ الحكومات الشفافة دون إعلام مستقل يبحث عن الحقيقة
المؤتمر، الذي حضرته الكثير من حكومات العالم، والعديد من الخبراء المرموقين يُعد مكسبا سياسيا واقتصاديا للمغرب، الذي حشد وزراءه ليخاطبوا العالم عن التحولات التي أنجزها في ميدان الحوكمة الرشيدة.
باختصار تعرف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD الراعية والحاضنة لمبادرة شراكة الحكومات المفتوحة بأنها "ثقافة الحكم القائم على سياسات وممارسات مبتكرة مستوحاة من مبادئ الشفافية والمساءلة والمشاركة التي تعزز الديمقراطية والنمو الشامل".
منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ترى أن مبادرة الحكومات الشفافة قطعت طريقا طويلا بعد أن اجتمع الإصلاحيون من القطاع العام والمجتمع المدني واتحدوا في حركة عالمية ليؤسسوا هذه المبادرة، وقد أدت الطبيعة المختلفة لأجندات الحكومات المفتوحة لدول العالم إلى احتوائها على أهداف سياسية متنوعة وكثيرة، ولكنها تبدأ بتعزيز الشفافية مرورا بدعم الديمقراطية وتحقيق النمو الشامل.
وتعترف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن المبادرة ما تزال تعتمد على مفاهيم فضفاضة بالاستناد إلى منهجيات غير موحدة، ولا ترتبط بنتائج السياسات الوطنية والاستراتيجية.
وتعتقد أن استراتيجية الحكومات المفتوحة لن تصبح ذات فعالية ما لم تدعمها بيئة تمكينية ملائمة، ويعتمد نجاحها على وجود سياسات صلبة، وإطار قانوني متين لوضع القواعد، ورسم الحدود، وتوفير الحقوق والالتزامات للحكومات والأطراف المعنية على حد سواء، وهذا يتطلب دور نشط للحكومات، وتوفير الموارد المالية والبشرية، والاستخدام الاستراتيجي للحكومة الرقمية، والأدوات المبتكرة في القطاع العام.
حتى الآن لم ينضم إلى مبادرة الحكومات الشفافة سوى الأردن، وتونس، والمغرب من العالم العربي، ولا يوجد قوانين لحق الحصول على المعلومات وهو شرط أساسي للانضمام سوى في الأردن، وتونس، والمغرب، ولبنان، واليمن.
ولكن الإشكالية التي تبدو أعمق، من هي الدول العربية التي تستطيع أن تتماهى مع مبادئ شراكة الحكومات المفتوحة وركائزها مثلث أضلاعه الشفافية والمساءلة والمشاركة؟
كيف لأكثر الدول العربية التي تتذيل مؤشر مدركات الفساد حسب منظمة الشفافية الدولية لعام 2018 أن تطبق فعلا لا قولا مبادئ شراكة الحكومات الشفافة؟
كنت مشاركا في مؤتمر الرباط الدولي حول الحكومات المفتوحة وحق الحصول على المعلومات، وكنت متحدثا عن دور الإعلام في دعم هذه المبادرة، وأهمية المعلومات للإعلام، وآليات الإعلام في تمرير المعلومات للمجتمع.
تزامن هذا المؤتمر الدولي مع إطلاق الحكومة الأردنية لخطتها التنفيذية الرابعة ضمن مبادرة شراكة الحكومات الشفافة، وهي تتضمن التزامات متعددة ربما أهمها ترسيخ حق الحصول على المعلومات عبر وضع بروتكولات لإنفاذ وتصنيف المعلومات، وهذا كله يمضي بمسار مواز لتعديل قانون حق الحصول على المعلومات الذي كان الأردن سباقا في إنجازه عام 2007، وتبين له من خلال التطبيق والممارسة أنه يحتاج لتعديلات جذرية.
أبرز ما في خطة الحكومة هذه المرة أنها تصنع بشراكة فعلية مع مؤسسات المجتمع المدني، وتتضمن التزامات واقعية قابلة للتنفيذ والقياس، وهذا يُسجل للأردن.
وبالعودة إلى المؤتمر فقد كانت العديد من الأسئلة والهواجس تقفز إلى عقلي، ربما أبرزها أن الزمن تحول، وتحكّم وسيطرة الحكومات الشمولية وخاصة في العالم العربي على تدفق المعلومات لمجتمعاتها بات أمرا مستحيلا وغير ممكنا، وبفضل ثورة الاتصالات، ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الفضاء مفتوحا للناس، ولم تعد فضائح الحكومات مستورة.
يعتبر الإعلام شريكا رئيسيا في إنفاذ مفاهيم الحكومات الشفافة، ففي غياب المعلومات للجمهور، لا يمكن الادعاء بإمكانية تحقيق الشفافية والمساءلة والمشاركة، وهذا يعني حكما أنه بدون وسائل إعلام مستقلة تنشد البحث عن الحقيقة، فإن هناك استحالة أن يتقدم العالم نحو ترسيخ مبادئ الحكومات الشفافة.
الصراع على المعلومات وكشف الحقيقة جوهر عمل الإعلام، ولهذا عرفت العديد من مدونات السلوك المهني والأخلاقي وظيفة الصحافة والإعلام بأنها "البحث عن الحقيقة وإطلاع الناس عليها"، وهذا ما استدعى أن تفرض المبادرة شرطا أساسيا للانضمام لها، وهو وجود قانون خاص لحق الحصول على المعلومات في تشريعات الدولة.
التفاصيل كثيرة للحديث عن بعض المعضلات والتحديات التي تواجه وسائل الإعلام في الوصول إلى المعلومات، فالمشكلة الأولى أن المعلومات في غالب الأحوال في حيازة السلطات العامة، وهي التي تتحكم بها وتحجبها متى أرادت، والأهم أنها في كثير من الأحوال لا تؤمن بحق الناس في الحصول على المعلومات، وإنما تقدمها منة وفضلا منها إذا اضطرت.
المشكلة الثانية أن السلطات العامة في الدول الشمولية لا ترى أن الإفصاح المسبق عن المعلومات طريق إجباري للشفافية، ومكافحة الفساد، والمشاركة السياسية، وحتى التنمية المستدامة.
ثالثا تبرز مشكلة شبكة القوانين المقيدة والمضادة للشفافية، فإذا علمنا أن دولة مثل السويد التي تعد من أوائل وأعرق الديمقراطيات استنادا لكل المؤشرات الدولية أقرت قانونا لضمان حق الحصول على المعلومات قبل أكثر من ثلاثة قرون، تستطيع أن تعرف لماذا العالم العربي يرفل في غالبه تحت سيطرة دول مستبدة؟
كنا نعد تقريرا عن حالة الحريات الإعلامية في العالم العربي قبل سنوات حينما اقترح المحامي والحقوقي المرموق نجاد البرعي أن نطلق على كثير من دول العالم العربي مسمى "دول الظلام"، لأنه لا يعرف الناس ماذا يحدث بها، ولا تتسرب الكثير من المعلومات عنها، ويخشى المواطنين فيها توثيق ورصد الانتهاكات التي تقع عليهم أو يعلمون بها؟
وحتى لو افترضنا أن هناك نوايا للإفصاح عن المعلومات فإن أنظمة حفظ المعلومات، وتوثيقها، وأرشفتها، واستعادتها، ما تزال ضعيفة في العالم العربي، باستثناء أجهزة الاستخبارات الرائدة في هذا الميدان، والتي لا تغيب عنها شاردة أو واردة، وللتندر يقال تعرف كل شيء يحدث حتى قبل وقوعه.
ليس غياب المعلومات وحده الذي يعصف بالإعلام الآن، فالإعلام الذي عرفه الناس منذ مئات السنين لم يعد يتصدر المشهد، فالسوشيل ميديا "وباء" يجتاح العالم، ويغير قواعد المشهد والسياسات، والثقافات، وأصبح كل إنسان يملك منصة "إعلامية" للتعبير عن آرائه، وإنتاج المعلومات وحتى ولو كانت أكاذيب وشائعات.
إذا كان هناك من أمل ليشتد عود مبادرة شراكة الحكومات الشفافة بعد مضي ثماني سنوات على إطلاقها، فإن الرهان أن تستسلم الحكومات المستبدة أمام الضربات الموجعة لإعلام محترف يُميط اللثام عن الحقائق، ووسائل تواصل اجتماعي تراقب الحكومات وتعد عليها أنفاسها وتكشف كل عوراتها، ومجتمع دولي يملك ضميرا ولم يعد يطيق العصف بالديمقراطية، وغض النظر عن الفساد.
يحتفي العالم بمبادرة شراكة الحكومات المفتوحة، ويبقى السؤال هل يلتحق العالم العربي بركب دول النور والانفتاح، أم يظل قابعا بالظلام، ويكتفي بإطلاق الشعارات ويتغنى بالديمقراطية، ويتغزل بمبادرة شراكة الحكومات المفتوحة والشفافة التي تدق أبوابه؟

نقلا عن موقع "الحرة"

البوم الصور