عناوین:

طمس معالم ربات البيوت

3/19/2019 10:25:10 AM
1539 مشاهدة
شيماء رحومة
+ -

“مشاهدة التلفزيون تسبب الغباء”، هذه العبارات جاءت على لسان إحدى شخصيات صور متحركة تبثها قناة تلفزيونية تونسية، استوقفتني لوهلة وذكرتني بعلب السجائر المزودة بملصقة “التدخين مضر بالصحة” يتفحصها المدخن بعيون ثاقبة وهو يشعل سيجارته ينفث دخانها عاليا، ويجيب بحنكة العارف مع آخر نفس ملقيا الأعقاب أرضا ومتفننا في دعسها تحت قدميه في حركة عفوية ترمز إلى قضائه الضمني عليها قبل أن تقضي عليه، قائلا “يوما ما سأتخلص من آفة التدخين”.
لا زمن يربط المدخن بتاريخ محدد يجبره على الالتزام بوعده، ولا حتى تلك الملصقة التي تلازمه كظله كلما أخرج علبة السجائر من جيبه ليدخن، فهل ستنجح فكرة تمرير خطابات توعوية موجهة للأطفال على لسان أبطالهم المفضلين، تلك الشخصيات التي يقضون معظم يومهم في مشاهدتها والتأثر بأقوالها وأفعالها؟
لكن السؤال الأهم إلى أي مدى يفهم الطفل ما يشاهده؟، فهو بحاجة ماسة ومستمرة إلى متابعة دقيقة من ذويه حتى يستوعب بشكل سليم ما يقدم إليه من مواد تلفزيونية، ويجد بعيدا عن عالمه الكرتوني بديلا مناسبا.
وفي الوقت الذي مازال المواطن العربي يتساءل عن مدى جدوى الصور المتحركة في النهوض بأبنائه وتفتيق أذهانهم على عوالم جديدة ومفيدة، ركب الصينيون الحدث وقاموا بتوظيف هذه المسلسلات التي تلقى إقبالا كبيرا لا من قبل الأطفال فقط، بل وكذلك من الكبار، خدمة لأغراضهم السياسية.
إذ ارتأى الحزب الشيوعي الصيني إلى أن يعرف الشباب على “الزعيم” كارل ماركس عبر الصور المتحركة، بهدف جعله أكثر جاذبية لجيل الشباب في الصين الذين غالبا ما يتعرفون على الفيلسوف الألماني عبر الكتب المدرسية.
وقالت زو سينا، المشاركة في كتابة سيناريو المسلسل، “نأمل أن يسمح ذلك بالمزيد من الفهم الإيجابي لماركس وسيرته”.
وبالطبع هذه الوظيفة ليست أمرا مستحدثا، لأنها مثلت ولا تزال تربة خصبة يعمد البعض إلى تسميمها ببذور طالحة تمرر مواد غير خاضعة للرقابة، مستفيدة من الطفرة التقنية التي قدمت لها منصات إلكترونية مجانية، فقد التصقت العديد من الإعلانات الإباحية المنجزة على شكل صور متحركة، بتحميل تطبيقات بالهواتف المحمولة.
كما أن الطفل اليوم غالبا ما يستعير هاتف أحد أبويه للعب، وهكذا تفتح أمامه مشاهد غريبة عن عالمه الطفولي الغض، دون قصد منه أو دراية، فيشاهدها بدل أن يتجاوزها، لأنه غير متمكن من مفاتيح الأمور من حوله، لاسيما وأن والدته تسلمه في أحيان كثيرة هاتفها طوعا حتى تسلم من مشاغبته، وفي اعتقادها أنه يلعب بتلك اللعبة التي حملتها له عن وعي بمحتواها.

ويبدو أن صانعي هذه الصور المتحركة، سواء الموجهة للتلفزيون أو المبرمجة للهواتف الذكية والملتصقة بتحميل التطبيقات والألعاب الإلكترونية، يتقصدون ذلك، لأن الأطفال خصوصا يميلون في أول عهدهم بالأشياء إلى تطبيق ما تلمحه أعينهم أكثر من فهم ما تسمعه آذانهم، فهم غالبا ما يشاهدون صورهم المتحركة في لحظات انشغالهم باللعب.
وبالتالي بدل أن تربي المجتمعات أطفالا تؤمن بأن الجلوس إلى التلفزيون يلبّد عقولهم الصغيرة، تحثهم عبر مباركة انشغالهم بعالم التلفزيون بعيدا عن مجالس الكبار وأحاديثهم التي لا تناسب سنهم، على أن يكونوا نماذج مصغرة عن حاملي الأسلحة وقطاع الطرق.
فحين تنظر فتاة صغيرة لا تتجاوز من العمر الأربع سنوات وتقول لوالدتها الحامل “ماما كفى أكلا بطنك ستنفجر.. لا تقلقي سأغرس داخلها مقصا حتى أساعدك على التخلص منه” وكأنها تتعامل مع بلونة، يصبح من حق الأم الشرعي أن تخاف بشدة من ابنتها، لاسيما وأنها أجابت بمجرد أن استفسرتها عن سر هذه الفكرة العبقرية أنها شاهدتها بـ”الكوميك”.
ما يحصل حقا ليس طبيعة الفقرات الكرتونية التي تمررها جل القنوات في الساعات الأولى من الصباح، بل في نقص المواد الإعلامية الموجهة للطفل تحديدا، وقلة اهتمام أولياء الأمور بمتابعة ومراجعة ما يشاهده أبناؤهم بسبب ارتفاع عدد العائلات العاملة، وهو ما يسرع وتيرة طمس معالم ربات البيوت الملتفات حول أصغر تفاصيل صغارهن.

 نقلا عن صحيفة "العرب"

البوم الصور