عناوین:

هل من مجيب ؟

2/15/2019 11:04:26 PM
11084 مشاهدة
أمين يونس
+ -


" راقب الفيل النمل ، فترة طويلة ، وإكتشف ان هذا الكائن الصغير مثابر وشاطر وذكي ، وكيف أنه يخطط لبناء مساكنه للشتاء ويخزن فيها الطعام .. بل ان النمل فوق هذا ، قوي بالنسبة إلى صغر حجمه ويدافع بشراسة عن صغاره وعن أقرانه .. فقام الفيل بتقليد النمل ! " . 
الصين العملاقة نفوسا ومساحة وتأريخا وفلسفة ... إستفادت وإستعانت بتجربة دولة مجهرية ، جزيرة صغيرة لاتملك موارد طبيعية تذكر .. تدعى سنغافورة . هذه السنغافورة قفزت خلال عقدين من الزمن فقط ، من بلد ضعيف مفلس مدين يعاني سكانه من الفقر والمرض والمخدرات والبطالة ، إلى دولة متطورة وإقتصاد قوي وشعب مرفه ومستقر وآمن . لم يتبجح حكام الصين بأنهم أعظم دولة وأن من بين كل ستة إنسان على وجه الأرض صيني واحد وأنهم أصحاب حضارة عريقة ... ألخ . بل قاموا بكل تواضع بالإستعانة بالتجربة السنغافورية من أجل إستنهاض الصين . 
طوع الصينيون أفكار ماركس وماوتسي تونغ ، وطوروها بحيث تناسب الوضع الصيني ، وإستفادوا من تجربة الهند التي سبقتهم في إستقدام الإستثمارات الغربية ، وأخذوا من حكمة السنغافوري " لي كوان يو " لاسيما في مجال الإدارة ومحاربة الفساد والبيروقراطية ، وأيضا ويا للمفارقة ، إستعانوا بالخبرة الباهرة لبروفيسور عراقي الأصل أستاذ في جامعة أوكسفورد البريطانية هو " إلياس كوركيس " . كانت للقيادة الصينية ، الإرادة لفعل كل ذلك ، بحيث حولوا الصين خلال عشرين سنة ، من دولة متخلفة ضعيفة ، إلى عملاق إقتصادي ذو تنمية متصاعدة وأُفق ينافس أكبر دول العالم . 
..............
نحن في العراق ، لا نمتلك شخصية قيادية مثل السنغافوري " لي كوان يو " ، نعم نعترف بذلك ، ولا أيضا زعيما مثل " مهاتير محمد " الماليزي .. كذلك نفتقر إلى قادة أحزاب ، يقتربون من مستوى قادة الحزب الشيوعي الصيني في وطنيتهم وحرصهم على تقدم بلادهم .. نعم ، كل ذلك مفهوم . 
ولكن هنالك دول مرت بتجارب مروعة وسالت فيها الدماء بغزارة وحدثت فيها جرائم ضد الإنسانية ومجازِر وحرب أهلية ،وتعرضت للإحتلال وتدخل دول الجوار ، لسنين ... حتى مثل هذه الدول ، ورغم عدم إمتلاكها لموارد مثل مواردنا ، سواء البشرية أو المادية .. فأنها إستفاقت ، وتوقفت عن التدمير الذاتي ، وبدأت عملية المصالحة ونبذ الحرب الأهلية ، وشهدت إعادة بناء الدولة على اسس صحيحة متينة .. وخلال أقل من عشرين سنة فقط ، تحولت إلى واحة للإستقرار والسلام ، وقبلة سياحية ومكانا مناسبا للإستثمار ... إلخ . أنها ( رواندا ) أيها السيدات والسادة . هل تتذكرون حملات الإبادة الجماعية الشهيرة في 1994 حين قامت قبائل " الهوتو " بذبح أكثر من 800000 من قبائل " التوتسي " ، بالمنجل ! . نعم قبل خمسة وعشرين سنة فقط ، حدثت هذه الجرائم الكبرى ، في رواندا ، هذه الدولة الصغيرة التي مساحتها 126 ألف كيلومتر مربع ، ونفوسها الحالي 12 مليون نسمة . 
بضعة سياسيين شرفاء روانديين ، قرروا أن يغيروا واقعهم المزري ، وعملوا بإخلاص وبنوا جيلا نظيفا متآخيا وإنشأوا مؤسسات رصينة ، يحترمها العالم أجمع ... حولوا رواندا البائسة ، إلى أحسن الدول في أفريقيا .. أنها ليست معجزة ولا خيالا . 
..............
دعنا لا نبالغ ونقارن الطبقة السياسية الحاكمة عندنا ، ب مهاتير محمد ولا لي كوان يو ولا بقادة الحزب الشيوعي الصيني ... ولكن عندنا مشتركات مع رواندا ، فنحن أيضا عانينا من حروب  أهلية وإنقسامات مهلكة وتجارب مريرة ... فقط نحتاج إلى بضعة سياسيين شرفاء نزيهين وطنيين ، ينتشلون هذا البلد من الرثاثة والتردي والفساد . فهل من مجيب ؟!

 

البوم الصور