عناوین:

العراق في مفترق الطرق

11/15/2019 4:33:21 PM
5881 مشاهدة
رافد جبوري
+ -

وصل الوضع في العراق إلى مفترق طرق، فالتظاهرات مستمرة في ساحة التحرير والمناطق المجاورة لها وسط بغداد، وفي مدن أخرى جنوبي العراق، إلا أن نظام الحكم في العراق بصيغته الحالية يحظى بدعم من الأطراف المؤثرة دوليا ومحليا. ويبدو مطلب إسقاط النظام أو تغييره جذريا الذي ترفعه التظاهرات في شوارع بغداد ومدن جنوب العراق صعب التحقق، فإيران ترى أن التظاهرات مؤامرة كبرى، وهي ترمي، بكل ثقلها، خلف إبقاء النظام. أما الولايات المتحدة فتدعو بغداد إلى الاستماع للمتظاهرين، وترفض العنف، لكنها تؤكد دعمها النظام، وما تسميها المؤسسات في العراق. وإذا كانت التظاهرات تجري وتنطلق في مناطق ومدن ذات غالبية شيعية، فإن السلطات الدينية الشيعية ذات التأثير الكبير والمتمثلة بمرجعية النجف لا تؤيد ممارسات السياسيين العراقيين، وتدعو إلى عدم قمع التظاهرات، لكنها لا تؤيد إسقاط النظام.

حتى دعوى تغيير حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وهو طبعا أقل بكثير من تغيير النظام، يبدو مستبعدا الآن، إذ تحظى هذه الحكومة بتأييد الأطراف السياسية العراقية المختلفة سرا أو علنا، فقد تزايدت اجتماعات قادة السلطات والقوى الحاكمة في العراق، ويبدو التضامن بين تلك الأطراف الآن جليا وواضحا، بعد أن كانت قد اهتزت في الأيام الأولى للتظاهرات. قبل أيام، اجتمعت أطراف الحكومة، بحضور عبد المهدي ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق الزيدان، وأعلنت التزامها بما سمته الحفاظ على الأمن والنظام. وكان لافتا أيضا حضور نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، الاجتماع، وهو شخصية مؤثرة في قيادة المليشيات الشيعية المدعومة من الحرس الثوري الإيراني. أعقبت ذلك مباشرة موجة جديدة من القمع، تركزت في بغداد، إذ اشتبكت قوات الأمن مع المتظاهرين، واستعادت السيطرة على الجسور على نهر دجلة التي تربط جانبي الرصافة والكرخ.

أما التقرير الحكومي الذي صدر بعد الموجة الأولى من التظاهرات فقد كان قاصرا على أن يحدد فعلا من ارتكب جرائم القمع، بل كان مرافعة تمثل وجهة نظر الحكومة. وها هو مجلس القضاء الأعلى بحضور رئيسه في أكثر من اجتماع حكومي أخيرا يصادق عمليا على الإجراءات والمواقف الحكومية. وقد أفادت مفوضية حقوق الإنسان بأن ثلاثمائة إنسان قد قتلوا فيما جرح خمسة عشر ألفا منذ بدء التظاهرات مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

تقدم السلطات مع القمع وعودا كثيرة وكبيرة بتوفير الوظائف ومكافحة الفساد وتوفير الخدمات، بل  وتغيير الدستور أيضا. كما صدر كلام إنشائي مطول في خطابات رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، وغيره من كبار المسؤولين العراقيين منذ اندلاع التظاهرات. ويجري ذلك كله في ظل انقطاع شبه تام لأي تواصل حقيقي وفاعل مع المتظاهرين.

أما واقع التظاهرات التي انطلقت بشعارات مطلبية، تبحث عن فرص العمل والخدمات، فقد اكتسب فعلا طابع الثورة الشعبية من حيث المطالب بإحداث تغيير حقيقي، وهدم لمرتكزات النظام السياسي الطائفية، والإصرار على مكافحة الفساد فعلا لا قولا. كذلك تلتف حول قضية المتظاهرين طبقات شعبية كبيرة، وتحظى شعاراتهم وأفعالهم باحتفاء منقطع النظير، يتجسد ثقافيا في أغان وقصائد ولوحات، وغير ذلك من صنوف الإنتاج الأدبي والفني. إنها التظاهرات الأكبر في تاريخ العراق الحديث، ربما يبدو نجاحها في الوصول إلى أهدافها صعبا، ولكن من الصعب أيضا تصور أن تنتهي من غير تغيير حقيقي ما.

تبقى التظاهرات فعليا بلا قيادة، وهي نقطة يستخدمها خصوم التظاهرات في الحط منها، أو إثارة الشبهات حولها، ولكن سبب ذلك معروف، وهو التضامن العام للقوى السياسية العراقية حول إقامة نظامٍ يرعى مصالح الطبقة السياسية، ومشاركة كل أطرافها في مغانم الحكم منذ عام 2003 وإن بدرجات مختلفة، بحسب قوة كل طرف سياسي وداعميه. ولكن النتيجة كانت أن الجميع كانوا يمثلون الحكومة، فيما تم قطع الطريق أمام أي معارضة حقيقية. ولأن نظام تقاسم المغانم مهما اتسع، ومهما وجهت القوى السياسية جزءا من منافعه إلى أنصارها، لن يكون كافيا، فقد وصل النظام السياسي إلى نقطة أزمة حتمية. لا تملك التظاهرات أجندة سياسية تمثل حلا شاملا للوضع في العراق، لكن مطالبها العامة كانت واضحة في إجراء تغيير جذري في عملية الانتخاب، وتشكيل الحكومة، من أجل إيجاد صيغة واضحة وفاعلة للمساءلة والمحاسبة. وبعد أسابيع من التظاهرات، لا يبدو أن هناك خطوات عملية تجري في هذا الاتجاه، إذ إنه سيهدد، في النهاية، كل الطبقة السياسية الحاكمة وأصول اللعبة السياسية القائمة. يقول عبد المهدي، منذ الأيام الأولى، إن الخيار هو بين الدولة أو اللادولة. وهو يقصد أنه يمثل الدولة فيما تعتقد شرائح واسعة من العراقيين من المتظاهرين، ومن المتعاطفين معهم، أن النظام الذي يحكمهم لا يمثل دولة حقيقية ذات علاقة مع مواطنيها. ولذلك أبرز شعاراتهم "نريد وطنا".

المصدر / العربي الجديد

البوم الصور