عناوین:

دموع‭ ‬رئيسة‭ ‬الوزراء

5/26/2019 11:38:04 PM
1284 مشاهدة
رافد جبوري
+ -

 

كادت‭ ‬رئيسة‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطانية‭ ‬تيريزا‭ ‬مي‭ ‬تختنق‭ ‬بعبرتها‭ ‬حينما‭ ‬تهدج‭ ‬صوتها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬خطاب‭ ‬الاستقالة‭ ‬الذي‭ ‬القته‭ ‬امام‭ ‬باب‭ ‬المنزل‭ ‬رقم‭ ‬عشرة‭ ‬داوننغ‭ ‬ستريت,‭ ‬مقر‭ ‬رئاسة‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطانية. 
‬قالت‭ ‬بانها‭ ‬تترك‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬احبته‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬بلدها‭ ‬الذي‭ ‬احبته‭.‬ تأتي‭ ‬استقالة‭ ‬مي‭ ‬بعد‭ ‬فشلها‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬بريطانيا‭ ‬نحو‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوربي‭ ‬والمعروف‭ ‬اعلاميا‭ ‬بالبريكزيت.
لايعلم‭ ‬المرء‭ ‬ان‭ ‬كانت‭ ‬دموع‭ ‬مي‭ ‬التي‭ ‬كادت‭ ‬تسقط‭ ‬حقيقية‭ ‬ام‭ ‬مصطنعة‭ ‬لكنها‭ ‬اثارت‭ ‬اهتمام‭ ‬الكثيرين‭ ‬بين‭ ‬متعاطف‭ ‬ومستغرب‭ ‬من‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬حاولت‭ ‬ان‭ ‬تصور‭ ‬نفسها‭ ‬امرأة‭ ‬قوية‭  ‬مثل‭ ‬مارغريت‭ ‬تاتشر‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬اول‭ ‬امراة‭ ‬تتولى‭ ‬المنصب‭ ‬وقد‭ ‬عرفت‭ ‬بالمرأة‭ ‬الحديدية‭ ‬وهي‭ ‬ايضا‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬المحافظين.‭ ‬مثل‭ ‬تاتشر‭ ‬سقطت‭ ‬مي‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الحزب‭ ‬وليس‭ ‬نتيجة‭ ‬انتخابات‭ ‬عامة‭ ‬لكن‭ ‬تاتشر‭ ‬فازت‭ ‬بثلاث‭ ‬دورات‭ ‬انتخابية‭ ‬واطيح‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬ولايتها‭ ‬الثالثة,‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬تفز‭ ‬مي‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬خاضتها‭ ‬كرئيسة‭ ‬للحزب‭ ‬بل‭ ‬تراجعت‭ ‬مقاعد‭ ‬حزبها‭ ‬لكنه‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬اخرى. ‬كانت‭ ‬مي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬نسخة‭ ‬كارتونية‭ ‬مشوهة‭ ‬من‭ ‬تاتشر‭.
فبينما‭ ‬كانت‭ ‬تاتشر‭ ‬معروفة‭ ‬بمواقفها‭ ‬القوية‭ ‬وصمودها‭ ‬بوجه‭ ‬خصومها‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬حاولت‭ ‬مي‭ ‬لعب‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬ووصفت‭ ‬نفسها‭ ‬بالقوة‭ ‬والصلابة‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬تتخبط‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬هزيمة‭ ‬وفشل‭ ‬تتلقاه‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬المفاوضين‭ ‬الاوربيين‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬البركزيت‭ ‬او‭ ‬مع‭ ‬اعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬العموم‭ ‬البريطاني‭ ‬البرلمان‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬مناقشات‭ ‬البريكزيت‭ ‬التي‭ ‬طالت‭ ‬وامتدت‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬اتفاق‭. ‬
في‭ ‬الحقيقة‭ ‬فان‭ ‬مي‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬منذ‭ ‬توليها‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬اعقاب‭ ‬تصويت‭ ‬الشعب‭ ‬البريطاني‭ ‬على‭ ‬استفتاء‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوربي‭ ‬قبل‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬بالضبط‭ ‬حيث‭ ‬ايد‭ ‬اثنان‭ ‬وخمسون‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬المصوتين‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوربي‭ ‬بينما‭ ‬عارضه‭ ‬ثمان‭ ‬واربعون‭ ‬في‭ ‬المائة‭.
كانت‭ ‬مي‭ ‬وزيرة‭ ‬للداخلية‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬ديفيد‭ ‬كاميرون‭ ‬الذي‭ ‬استقال‭ ‬بعد‭ ‬الاستفتاء‭ ‬مباشرة‭ ‬لانه‭ ‬كان‭ ‬يقود‭ ‬الحملة‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬لكنه‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬اقناع‭ ‬البريطانيين‭ ‬بذلك‭. ‬جاءت‭ ‬مي‭ ‬بعده‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬توليها‭ ‬مثلا‭ ‬صارخا‭ ‬في‭ ‬الانتهازية‭ ‬السياسية‭ ‬اذ‭ ‬كانت‭ ‬مثل‭ ‬كاميرون‭ ‬من‭ ‬مؤيدي‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوربي‭ ‬لكنها‭ ‬ومن‭ ‬اجل‭ ‬الوصول‭ ‬للرئاسة‭ ‬غيرت‭ ‬موقفها‭ ‬تماما‭ ‬مدعية‭ ‬انه‭ ‬يجب‭ ‬تنفيذ‭ ‬نتيجة‭ ‬الاستفتاء‭ ‬وظلت‭ ‬تردد‭ ‬ذلك‭ ‬بصيغ‭ ‬متعددة‭ ‬كانت‭ ‬مثار‭ ‬سخرية‭ ‬الاعلام‭ ‬بسبب‭ ‬تكرارها‭ ‬لفظيا‭ ‬وعدم‭ ‬تنفيذها‭.
حاولت‭ ‬ان‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬جناحي‭ ‬حزبها‭ ‬المتنافسين‭ ‬الجناح‭ ‬المعارض‭ ‬للاتحاد‭ ‬الاوربي‭ ‬والمؤيد‭ ‬بشدة‭ ‬للخروج‭ ‬منه‭ ‬باي‭ ‬طريقة‭ ‬او‭ ‬ثمن‭ ‬وبين‭ ‬الجناح‭ ‬الاخر‭ ‬الذي‭ ‬تنتمي‭ ‬اليه‭ ‬هي‭ ‬اصلا‭ ‬وهو‭ ‬الجناح‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مؤيدا‭ ‬للبقاء‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬ثم‭ ‬تحول‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬لمؤيد‭ ‬لخروج‭ ‬منظم‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬يتم‭ ‬باتفاقيات‭ ‬تجارية‭ ‬شاملة‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬عدم‭ ‬حصول‭ ‬صدمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬البريطاني‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬خامس‭ ‬اكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬ذلك‭ ‬المسعى‭ ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬مي‭ ‬توحيد‭ ‬الحزب‭ ‬ولا‭ ‬البلد‭ ‬نحو‭ ‬صيغة‭ ‬تسوية‭ ‬تنفذ‭ ‬البركزيت. ‬
بدأ‭ ‬العد‭ ‬التنازلي‭ ‬لرئاسة‭ ‬مي‭ ‬للحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬منذ‭ ‬فشلها‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوربي‭ ‬في‭ ‬الموعد‭ ‬الذي‭ ‬حددته‭ ‬هي‭ ‬نهاية‭ ‬اذار‭ ‬مارس‭ ‬الماضي‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬فشل‭ ‬مي‭ ‬الاخير‭ ‬قد‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬تمكنها‭ ‬من‭ ‬اقناع‭ ‬المتشددين‭ ‬في‭ ‬حزبها‭ ‬باتفاق‭ ‬ابرمته‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوربي‭ ‬ينظم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬بريطانيا‭ ‬والاتحاد‭ ‬اذ‭ ‬رأوا‭ ‬فيه‭ ‬وضعا‭ ‬اسوأ‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬العضوية‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭.
‬حاولت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬السعي‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬التأييد‭ ‬من‭ ‬المعارضة‭ ‬حيث‭ ‬عرضت‭ ‬اجراء‭ ‬استفتاء‭ ‬ثان‭ ‬حول‭ ‬القضية‭ ‬اذا‭ ‬وافق‭ ‬مجلس‭ ‬العموم‭ ‬على‭ ‬خطتها‭. ‬والاستفتاء‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬مطلب‭ ‬للمعارضة‭ ‬اذ‭ ‬يمثل‭ ‬فرصة‭ ‬اخرى‭ ‬قد‭ ‬يصوت‭ ‬فيها‭ ‬البريطانيون‭ ‬للتراجع‭ ‬عن‭ ‬قرار‭ ‬البركزيت‭ ‬بينما‭ ‬يخيف‭ ‬ذلك‭ ‬الاستفتاء‭ ‬كل‭ ‬المؤيدين‭ ‬للبريكزيت‭ ‬الذين‭ ‬يعتبرون‭ ‬بان‭ ‬الامر‭ ‬انتهى‭ ‬ويجب‭ ‬تنفيذه‭.
 ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬التنازل‭ ‬هو‭ ‬القشة‭ ‬التي‭ ‬قصمت‭ ‬ظهر‭ ‬البعير,‭ ‬اذ‭ ‬تحرك‭ ‬الجناح‭ ‬المعادي‭ ‬للاتحاد‭ ‬الاوربي‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬المحافظين‭ ‬ليقصي‭ ‬مي‭ ‬من‭ ‬منصبها‭ ‬ويبكيها‭ ‬على‭ ‬المنصب‭ ‬الذي‭ ‬ذهب‭ ‬والوعد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬بتنفيذ‭ ‬البريكزيت‭ ‬التي‭ ‬عارضتها‭ ‬مي‭ ‬بشدة‭ ‬قبل‭ ‬الاستفتاء‭ ‬ثم‭ ‬ايدتها‭ ‬بشدة‭ ‬بعد‭ ‬الاستفتاء‭ ‬وفشلت‭ ‬في‭ ‬المرتين‭.‬

البوم الصور