عناوین:

العراق وجيرانه ونظرية اللعبة

4/22/2019 10:05:10 PM
1660 مشاهدة
اياد العنبر
+ -

شكلت الحرب ضد تنظيم داعش في العراق فرصة لإعادة النظر في علاقات بغداد الخارجية، إذ كانت فرصة ترميم العلاقات مؤاتية في فترة حكم السيد حيدر العبادي، فقد كان منفتحا ومتوازنا في إدارة الانفتاح العربي والإقليمي تجاه العراق، مما مهد لحكومة السيد عادل عبد المهدي الفرصة لاستثمار هذا الانفتاح وتحديد دفته.
وتمثل الانفتاح الأقوى والأبرز مع المملكة العربية السعودية التي شرعت بإحداث تغييرات في سياساتها الخارجية تجاه العراق مع تولي زمام القيادة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي وظف دبلوماسية تعتمد نمطين: يستخدم الأول القنوات الدبلوماسية الرسمية من خلال تفعيل دور السفارة السعودية في العراق والتعامل المباشر مع الحكومة العراقية، بدلا من الاعتماد على سياسة دعم بعض القوى والشخصيات الحزبية التي تقدم نفسها على أنها ممثلة للمكون السني.اما النمط الثاني فكان من خلال اعتماد دبلوماسية (المسار الثاني)، والتي كان من أبرز ملامحها زيارة السيد مقتدى الصدر في نهاية يوليو/تموز 2017، وافتتاح قناة(MBC عراق)، وتعهد السعودية بإنشاء ملعب رياضي في بغداد، والتي فسرت بمحاولة استقطاب الجمهور العراقي.
وعلى مدى سنتين تحول الانفتاح السعودي نحو العراق من مبادرة إلى واقع حال، إذ بدء بتشكيل مجلس تنسيقي لتطوير العلاقات بين البلدين في 2017، وكانت أبرز نتائجه العمل على إعادة منفذ "عرعر" البري بعد 27 عاما على إغلاقه، واستئناف الرحلات الجوية بين المدن العراقية والسعودية وهبوط أول طائرة ركاب سعودية في مطار بغداد في 18 اكتوبر/ تشرين الأول 2017.
وفي بداية الشهر الحالي انعقد الاجتماع الثاني لمجلس التنسيق العراقي السعودي في العاصمة العراقية بغداد، وجرى افتتاح مبنى القنصلية السعودية في بغداد. وقبل أيام زار رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي السعودية وبرفقته وفد كبير من السياسيين ورجال الأعمال العراقيين.
بيد أن مشكلة العراق تتمثل بعدم وضوح الرؤية في إدارة العلاقات مع محيطه الإقليمي، إذ أن السلوك العراقي على صعيد السياسة الخارجية، حتى هذه اللحظة، لا يزال قائم على أساس ردود الأفعال، ولا يعد مبادرا فعليا. إذ لا توجد ملامح واضحة لسياسة خارجية تنطلق من مبدأ تحقيق المصلحة الوطنية، ويحاول الخطاب السياسي للحكومة تقديم رسائل اطمئنان إلى جواره الإقليمي، وتحديدا طهران، غافلا عن العمل على تسويق رؤيته للتفاعلات بين أقطاب النظام الإقليمي.
ويبدو ذلك واضحا من خلال تصريحات تؤكد التزام العراق بالحياد والتوزان في علاقاته الخارجية، وهذا ما صرح به رئيس الجمهورية برهم صالح بقوله: "لا يمكن للعراق أن يكون منطلقا وقاعدة لإيذاء أي من جيراننا". بيد أن فهم الجيران، الذين يقصدهم صالح لا يماثله إدراك بضرورة مراعاة مصلحة البلدين. فإن صانع القرار السياسي الخارجي الإيراني ينظر إلى العراق من خلال منظوره للأمن القومي الإيراني، فهو لا يعتقد بأن موقف العراق يجب أن يكون محايدا في القضايا التي تهدد إيران، بل يجب أن يكون متماشيا مع مصلحة طهران!
وتنظر طهران إلى التطور في العلاقات السعودية ـ العراقية من منظور التنافس بين طهران والرياض على توسيع دائرة النفوذ في العراق. إذ نشر موقع "مجلس و راهبرد" الإيراني، وهو مركز دراسات للأبحاث الاستراتيجية تابع لمجلس الشورى، دارسة تحليلية عن علاقة الجمهورية الإسلامية مع السعودية في العراق في ضوء نظرية اللعبة في العلاقات الدولية. وتعتقد هذه الدراسة أن الرياض تبحث عن طريق لمنع نفوذ طهران الروحي والسياسي في المنطقة، والعمل على تحييد نفوذ إيران الإقليمي. والعراق، بحسب هذه الدراسة، يمثّل ساحة رئيسة للسياسات التنافسية بين طهران والرياض. ووفقا لنظرية اللعبة، فإن المنافسة السعودية ـ الإيرانية ينظر لها وفق مبدأ اللعبة الصفرية، بمعنى ما يربحه الطرف الأول يشكل خسارة للطرف الثاني. ومن ثم لا حساب للتوازن بين مصلحة العراق ومصلحة إيران وفق هذا المنظور.
بموازاة ذلك، تنظر الرياض إلى تطور علاقاتها مع العراق من رؤية جديدة تسعى إلى توسيع دائرة المصالح والنفوذ في العراق من خلال المدخل الاقتصادي الذي كان متروكا طوال السنوات الماضية للتنافس الإيراني ـ التركي. فصانع القرار السعودي يعتقد أيضا، أن التواجد على الأراضي العراقية بعناوين مشاريع اقتصادية واستثمارية هو مدخل لتقليل نفوذ إيران السياسي في العراق. ولذلك تحاول السعودية الدخول بقوة للاستثمار في مجال الطاقة من خلال تقديم بدائل للعراق في مجال توفير الكهرباء. فالسعودية تسعى لترسيخ هيمنتها على إدارة (النظام العربي الجديد) الذي وفرته أحداث الربيع العربي، وتبلورت فرصة للتدخل السعودي في البلدان التي شهدت حركات احتجاجية غيرت أنظمتها الحاكمة. ويبدو أن الانفتاح على العراق يوفر فرصة لاستكمال حلقات نفوذ الرياض في المنطقة العربية، ومن جانب آخر قد يساهم بتقليص دائرة نفوذ طهران في العراق.
إذا، يمكن تفسير التنافس الإيراني ـ السعودي في العراق وفق نظرية اللعبة، والتي تفسر حتى الآن وفق منطق الصراع على أرض العراق. وفي قبال هذا لا يمتلك صانع القرار السياسي الخارجي العراقي رؤية محددة لإدارة هذا التنافس والصراع؛ فالخطاب الحكومي مازال يتحدث عن التوازن بين الاندماج والحياد في محيط إقليمي محكوم بمنطق الصراع لا التعاون، ولم تتضح ملامح رؤية الحكومة العراقية لكيفية الوصول لمعادلة قادرة على تحقيق هذا التوازن وتحويله إلى مصلحة العراق.
فالخطاب الرومانسي لا يمكن له أن ينتج سياسة واقعية، ولا أن يكون ناجعا في تحقيق المصلحة الوطنية في محيط علاقات إقليمية تتفاعل وفق منظور التصارع وليس التكامل.
لكن يمكن تصحيح الخلل في توازن علاقات العراق مع جيرانه، في حال تحول العراق من ساحة لمباريات جيرانه المتخاصمين، إلى أن يكون فاعلا ولاعبا، وفق نظرية اللعبة؛ والمدخل لتحقيق ذلك يتم من خلال توظيف العلاقات الاقتصاد في خدمة السياسية. ويتم ذلك من خلال خطوات واضحة لاستثمار الانفتاح السعودي على العراق، تكون أولها إعادة العمل بخط تصدير النفط الذي يربط بين المنشآت النفطية في الجنوب ويصب قريبا من ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر. وكذلك يمكن أن يساهم الارتفاع في حجم التبادل التجاري بين العراق والسعودية إلى أكثر من 8 مليار دولار فرصة لتحقيق توازن نسبي بين التبادل مع إيران وتركيا.
فضلا عن ذلك، يمكن أن تكون البدائل السعودية لتوريد العراق بمصادر الطاقة الكهربائية رسالة تبعثها الحكومة العراقية تعبر فيها عن تعاونها النسبي مع العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران، من خلال تقليل الاعتماد على واردات الطاقة الإيرانية إلى العراق. وقد تكون هذه الخطوات بداية حقيقة للاستثمار في ملف الاقتصاد مع جيران العراق، لإعادة ترتيب علاقاته بواقعه الجيوسياسي المأزوم.
ويبقى جميع ما تقدم مرتهن بقدرة الحكومة العراقية على تحويل التحدي إلى فرصة، ومن ثم ترجمة التنافس بين القوى الإقليمية على تحسين علاقتها ببغداد، إلى مشاريع للاستثمار وإعادة إعمار المناطق المحررة من تنظيم داعش.
نقلا عن موقع "الحرة"





البوم الصور