عناوین:

ما الذي يخيفك؟

3/17/2019 11:14:12 PM
1926 مشاهدة
سليم الحسني
+ -

بيدك المال، بيدك الختم، وعينك على الباب والمزلاج، لا يدخل أحد إلا برضاك، يجلس تحت عينيك، دقائق معدودات ثم ترسل له من يُخرجه، انتهى وقت اللقاء، ومع ذلك تشعر بالخوف.
تتحكم برجال السياسة، تلّوح لهم بالختم المسروق، تبعث لهم اشاراتك المشفرة، فيدركون أن رضاك يعني بقاءهم، وسخطك يعني إقصائهم. وأنت تعرف بان الصناديق والأوراق والأصوات لا قيمة لها، فهؤلاء البسطاء يذهبون ويرجعون، ولا يعرفون ما يجري في الخفاء، فأنت الخفاء كله في هذا البلد، أنت سيده وصانعه ومحركه. ومع ذلك يلفك الخوف.
تأتي بمن تريد وتبعد من تريد، وجموع البسطاء لا تعرف الحقيقة، يصعب عليها أن تعرف الحقيقة، فالقداسة المزيفة خير غطاء تتوارى خلفه. ولن يكشف عنك الغطاء بعشر سنين أو بعشرين، فلقد نثرتَ غبار التضليل عليهم، قلتَ لهم هذا غبار مقدس، إنه بركتي عليكم، كونوا كما أريد، أنا كهفكم الحصين وراعيكم الأمين، لا أقول إلا ما يقوله أبي. ثم تضحك في سرك على البسطاء:-
ما أشد سذاجتهم، وما أبسطهم من ناس، وما أرخص حقوقهم عند أنفسهم، لقد أعاروني كل شيء، فبيدي الآن كل شيء، وهذا الباب أحكمت إغلاقه، والختم بيدي، فمن أقوى مني؟
أنت الأقوى بلا نقاش، أنت سيد البلاد بلا كلام، أنت السفارة والإمارة والمملكة، أنت الدين والدنيا، أنت صاحب السطوة العظمى، أنت الذي تأتي بالمجرب، وتضرب بالجدار كلام أبيك، والناس سكوت تصدق قداستك المزيفة. ولو جئتهم بأسوأ من في الأرض ونصبتّه عليهم، لرضوا وأطاعوا، فالختم بيدك وعينك على الباب، والباب موصد، فمن يستطيع أن يوصل الشكوى؟ فما الذي يخيفك؟
أعرف ما يخيفك؟ كابوس من الماضي، خوف قديم مستقر بين ضلوعك، أيام كان الرجال ينازلون التنين، وكنتَ تحذر الهمسة والنظرة وتتقي عضّة البقّة.
هذا هو الذي يخيفك. فالماضي يبقى في تجاويف الرأس، يسري مع الدم، لا يزول، يتعاظم ولا يزول، فبينك وبين الحاضرين فاصلة كبيرة، تحسدهم على شجاعتهم بالأمس، وتحسد أصحابهم وهم شهود عليك في قبورهم، تلاحقك أرواحهم العملاقة، تشير إليك بأنك كنت خائفاً، فتشعر بالخوف المظلم حولك.
ترى أبطال السجون، يمرون أمامك، وعلى ظهورهم جراح الجلادين، ولا زالت ملابسهم رثة، وبطونهم خاوية، والجرح نازف، فتشعر بالحسد لأنهم شجعان ولم تكن مثلهم، فأتيتَ بواحد من رجال الجلادين يحكمهم، وجاء هو بأعوانه، أما لساناك يوم الجمعة فيحشران القطن في آذان المصلين.
لا تخف، فالباب موصد وبيدك الختم والمزلاج. وجياع الشعب نامت، تحرسها قداستك المزيفة.

 

البوم الصور